Press "Enter" to skip to content

من دفتر الذكريات: البيض الذي يتجمد بالحرارة

بقلم: محمد هاشم الصالحي

في تسعينيات القرن المنصرم، وأنا طالب في جامعة صلاح الدين بأربيل، كنت أعمل خلال العطلة الصيفية خطاطاً مع صديقي في محله الصغير بشارع أطلس بكركوك.

مقابل المحل، كان يعمل الأستاذ إحسان (أبو يحيى) وهو معلم رياضيات، في محل لتصليح بطاريات السيارات التي استُنفد عمرها. وإلى جانبه محل يعمل فيه “وسام” وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره، يقوم بخياطة إطارات السيارات وإعادتها إلى الحياة ولو لبرهة قصيرة، إذ لم يكن أحدٌ يملك القدرة على شراء بطاريات أو إطارات جديدة، لكون الراتب الشهري للفرد العراقي لا يتجاوز الدولارين فقط.

كنا نجتمع أحياناً لدى الأستاذ إحسان، وكان يختبر معلوماتنا بتوجيه الأسئلة إلينا. ذات مرة سألنا قائلاً:

“كل شيء يتجمد عند انخفاض درجة الحرارة، إلا شيئاً واحداً يتجمد عند ارتفاعها، فما هو؟”

أجبته على الفور: البيض.

أما وسام، فظل صامتاً لا يحرك ساكناً. عندها قال الأستاذ إحسان: “هذا هو الفرق بين الجاهل والمتعلم”. ثم ذهب الأستاذ ينصح وساماً بضرورة العودة إلى الدراسة التي تركها منذ المرحلة الابتدائية، مؤكداً له أن العلم سلاح المرء.

اليوم، وبعد مرور أكثر من 30 عاماً، ومع التهديدات المستمرة بانقطاع الرواتب وغلاء المعيشة والضرائب التي تفرضها الدولة، حاولتُ أن أجد لي عملاً إضافياً. وسام اليوم أصبح تاجر إطارات كبيراً، ووكيل شركة (ميشلان) الامريكية العالمية. ذهبتُ إليه وطلبتُ منه أن يجد لي عملاً، فخيرني بين مكاتبه في بغداد وأربيل. ولأن أربيل أقرب إلى كركوك ولأني أعرفها جيداً منذ دراستي الجامعية، فضلتُ العمل فيها.

وجد لي عملاً في أحد مخازنه الضخمة هناك، حيث أقوم بجرد وعدِّ الإطارات الداخلة والخارجة. وتقديراً لمكانتي عنده، خصص لي غرفة أبعادها متران في مترين، لا تسع إلا جسدي، أقيم فيها دون أن أدفع إيجاراً.

أحياناً يزور وسام المخزن مع حاشيته ومرافقيه ليطلع على سير الأعمال، وفي كل مرة يشاهدني فيها يقول لي ضاحكاً:

“هل ما زال البيض يتجمد بالحرارة؟”

فنضحك معاً.. ولكن ضحكتي هذه المرة تحرق فؤادي.

Be First to Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *